أحمد بن محمد مسكويه الرازي
258
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
مرضاته بقدر طاقته ، ويتقبل أوامره بنحو استطاعته . ومن أحبّ اللّه تعالى هذه المحبة وتقرب اليه هذا التقرب ، وأطاعه هذه الطاعة أحبه اللّه وقربه وأرضاه واستحق خلّته « 1 » التي أطلقتها الشريعة على بعض البشر ، حيث قيل إبراهيم خليل اللّه . وأما أرسطوطاليس فإنه اطلق بعد ذلك بالعلّة شيئا غير مطلق في لغتنا وذلك أنه قال : « من أحب اللّه تعاهده كما يتعاهد الأصدقاء بعضهم بعضا وأحسن اليه » . ولذلك يظن بالحكيم اللذات العجيبة وضروب الفرح الغريبة ، ويرى من تحقق بالحكمة انها ملذة غاية الالتذاذ ، فلا يلتفت إلى غيرها ولا يعرج على سواها ، وإذا كان الامر على ما وصفنا فالحكيم السعيد التام الحكمة هو اللّه تعالى ، فليس يحبه الا السعيد الحكيم بالحقيقة ، لانّ الشبيه انما يسرّ بشبيهه فقط ، ولذلك صارت هذه السعادة ارفع وأعلى من تلك السعادة التي ذكرناها ، وهي غير منسوبة إلى الانسان لأنها مهدية من الحياة الطبيعية ، مبرأة من القوى النفسانية مباينة لجميعها غاية المباينة وانما هي موهبة إلهية يهبها الباري جلّت عظمته لمن اصطفاه من عباده ، ثم التمسها منه وسعى لها سعيها ورغب فيها ولزمها مدة حياته ، واحتمل المشقة والتعب ، فان من لم يصبر على إدامة التعب « 2 » اشتقاق اللعب ، وذلك ان اللعب يشبه الراحة ، والراحة ليست من تمام السعادة ولا أسبابها ، وانما يميل إلى الراحات البدنيّة من كان طبيعي بهيمي النّجار كالعبيد والصبيان والبهائم ، فليس ينسب الحيوان غير الناطق ولا الصبيان والعبيد إلى السعادة ، ولا من كان مناسبا لهم . واما العاقل الفاضل فإنه يطلب بهمته أعلى المراتب .
--> ( 1 ) . أي : صداقة رب العالمين ، والتقرّب إليه . ( 2 ) . أي : الاستمرار في التعب .